أخر الاخبار

الأسرة الجاذبة للإضطرابات النفسية

 الأسرة الجاذبة للإضطرابات النفسية 



يتسمم المناخ الاسري بين الفينةِ و الأخرى بمجموعة من العوامل الداخلية و الخارجية التي تتحد مع بعضها البعض مكونة لنا مناخ يتسم بعدم استقرار العلاقات الاسرية فيه و جعل الأسرة لا سوية، و بالتالي يزيد الاحتمال في ان يظهر اللاسواء في احد أبنائها مما يجعلها بيئة حاضنة للإضطرابات النفسية و هنا تسمى بالأسرة المولدة للمرض.

  الاسرة المولدة للمرض 

إن ظروف الحياة الأسرية مفعمة بالمواقف التي تثير لدى الابناء التوتر النفسي، وبعض هذه الظروف يمكن أن يثير شحنة كبيرة من الضغط، مما يجعلها تستدعي المزيد من حرص و انتباه ذوي الطفل، فمثلاً ولادة طفل جديد في العائلة قد يستثير في الطفل مشاعر فياضة من الغيّرة و الرفض و الشعور بتهديد مكانته التي احرزها في أسرته من قبل، والطلاق يسبب الخوف من فقدان احد الوالدين، و الوفيات و الوداع يسببان الألم و الحزن ممزوجين في كثير من الأحيان بالغضب بسبب شعور الطفل بالعجز أمام رغبته بالقيام بأي شيء حيال ذلك، وايضاً على الصعيد الاكاديمي حصول الطفل على علامة سيئة قد تسبب له ضغطاً نفسياً لأنه واقع تحت ضغط متزايد من قبل الاهل للحصول على اعلى العلامات ، و يقود تغيير الإقامة و تبدل ظروف الحياة اليومية في الأغلب إلى عدم الثقة و الأمان و إلى التساؤل عمّا اذا كان الإنسان قادراً على مواجهة الظروف الجديدة، كما ان تفكك العلاقات الاسرية الذي يقود في كثير من الأحيان إلى ضغوط نفسية مزمنة للطفل قد تؤدي إلى اضرار دائمة قد تصل الى مرحلة الرشد. 

* كيف تكون الاسرة مناخاً مناسباً للإضطرابات النفسية؟*

 تحصل الكثير من المشكلات النفسية للأبناء او اضطرابات السلوك نتاجاً لإختلال او توتر في الوضع الأسري او العائلي، فإذا كان المناخ السائد يعمه عدم الانسجام و النقد الجارح و العقاب البدني و القسوة في المعاملة، هذا محصلته علاقة سيئة بين الوالدين والإبن، و خاصةً ان سوء معاملة الأبناء يرتبط غالباً بالحالة المزاجية و الوجدانية للآباء و الامهات . و من استجابات الآباء و الأمهات غير التربوية التي يغفلون عنها و عن اثرها في سوء التوافق لدى ابنائهم نذكر : الإهمال و السخرية من الطفل، و استخدام العقاب البدني، و الصراخ الحاد في وجه الطفل، و عدم تقديم المكافأة وقت اللزوم، و التشاجر مع الزوج او الزوجة امام الاولاد، و وصف الاطفال بصفات سيئة، و عدم السماح للأطفال بممارسة هواياتهم، و الحب المصطنع للطفل، بالإضافة الى عصبية الام و الاب كل هذه الاستجابات و غيرها تؤدي الى الإساءة النفسية للطفل و ايضاً ظهور العقد النفسية . 

*دراسات حول الاسرة الجاذبة للإضطرابات النفسية *

 لقد زاد الاهتمام بدراسة اثر الخبرات التي يمر بها الاطفال اثناء الطفولة على النمو النفسي و الصحة النفسية لديهم و تُبين العديد من الدراسات ان العلاقات الاسرية المتكدرة و التي يسودها العنف و انواع الإساءة اللفظية و الجسدية لها نتائج وخيمة على الابناء عبر مراحل نموهم في الطفولة و المراهقة و الرشد، فمثلاً العنف ينتقل من جيل لآخر داخل الأسرة الواحدة، والآثار السلبية لمشاهدة العنف بين الآباء و الامهات تستمر حتى بلوغ مرحلة الرشد، وايضاً فقدان السياق الأسري للأمن و الحب و الحنان يساهم في اضطراب الصحة النفسية، فحالة التوتر الشامل و المستمر يشعر به الابناء نتيجة توقع تهديد خطير فعلي او رمزي يحدث الأمر الذي يجعلهم في قلق دائم يصحبه خوف غامض و اعراض نفسية كالقلق العام فيبقى الابناء يركزون على اهتمامهم على الشيء المفقود وهو الاستقرار و الأمن. وأشارت إحدى الدراسات الى ان أبناء الأسر التي بها صراع بين الوالدين يعيشون مشاكل عقلية و صراعات نفسية تكون سبباً لظهور اضطراب الوسواس، و الذي يتمثل في افكار متسلطة و سلوكيات إجبارية لا يستطيع الطفل مقاومتها مما يسبب له الكرب و هذا ما يزيد من حدة التوتر و القلق لديه، كما ان أبناء الآباء و الأمهات غير المتوافقين زواجياً هم أكثر خوفاً من البقاء بمفردهم و أكثر قلقاً، و يكون القلق و الخوف نتيجة الجو غير المستقر و غير الملائم الذي يعيش فيه الابناء و ايضاً سلوك مأساوي مبالغ فيه و نوبات من الغضب الانفجاري غير المفتعل و التصرفات الشاذة و اضطرابات الحركة و السلوك العدواني و معاناه من المخاوف التي تصاحبها صرخة و ربما انين و بكاء. 

إذاً ما الاسباب التي تجعل من الاسرة جاذبة للإضطرابات النفسية؟

لا شك بأن الاسباب المؤدية الى الاسرة المرضية متعددة لا تنحصر في اطار واحد، لكن المؤكد منه ان النتيجة واحدة و هي اللاسواء النفسي للأبناء، نذكر هنا اهم الاسباب المرتبطة بالجانب النفسي و الاجتماعي وهي كالتالي

  - عوامل اجتماعية : مثل انهيار الجو الاسري بسبب موت الاب او الام، هجر احد الوالدين او كلاهما للطفل، الانفصال او الطلاق، سجن احد الوالدين، والحالة الأخلاقية في الاسرة من إدمان المخدرات او المسكرات، عدم أمانة احد الوالدين.

 ـ عوامل نفسية : إن اضطراب الروابط الانفعالية بين الزوجين بسبب تكوينهما النفسي الشاذ غالباً ما يكون عاملا في انحلال الروابط الأسرية، الامر الذي سيؤدي إلى سوء العلاقات الانفعالية التي تنشأ اما بين الأبوين من جهة، أو بين الأبوين و الطفل من جهة أخرى. 

اللاانسنة في الاسرة 

تستخدم اللاانسنة كمعيار للسلوك السوي و الشخصية السوية و الأسرة السوية في مجال الصحة النفسية و الإرشاد النفسي، و العلاقة تكون انسانية حينما يدرك كل طرف الطرف الآخر كما هو، في مقابل العلاقة غير الإنسانية التي يدرك فيها أحد الاطراف الطرف الآخر كشيء او وسيلة لتحقيق غاية و يتم ذلك عن طريق تجريده من خصائصه و حقوقه كإنسان، و كثيراً ما يكون التملك وراء هذا التوجه في العلاقات، و هو الاتجاه الذي يحكم نظرة الكثير من الآباء و الامهات نحو الابناء. و كثيرا ما تطغى الروح التملكية في العلاقات و تبرر بالحب، وهو ما يشرحه علماء النفس أصحاب التوجه التحليلي النفسي بمفهوم النرجسية حيث يتملك الوالد-او الوالدة-الابن لأنه يحبه، و النمط الأول في التملك النرجسي هو الذي يتبناه الوالد نحو ابنه و هو أن يعيد الوالد صياغة نفسه من خلال ابنه، و يسقط ذاته على الابن فهو لم يستطع ان يشكل حياته كما يريد فهذه إذن حياة جديدة فيشكلها كما يحب، فيقع الطفل في هذا الشرك ولا يستطيع الفكاك منه فهو مقيد بقيود قوية و ان كانت منسوجة من الحب و العاطفة، ولا يشعر الطفل و يحس و يفكر لنفسه و إنما لحساب والده او والدته، و ربما يقضي الطفل حياته كلها يحاول ان يشبع رغبات والديه و اشواقهما و أحلامهما لنفسيهما مع القليل من الوعي الشعوري بإستعداداته و طموحاته الشخصية. 

* محور العلاقات الاسرية.....الام * 

يبدو ان علاقة الام العاطفية بطفلها من العوامل الاساسية في زيادة الصحة النفسية و علاقته بالآخرين، فنلاحظ اهتمام التقارير الدولية التي تتناول صحة الام بما هي ضمانة لصحة الطفل، فصحة الام منذ طفولتها وصولاً الى مرحلة الزواج و الحمل و الانجاب و تربية الاطفال هي ضمانة لإنجاب اطفال اصحاء ولا يقتصر الامر على الصحة الجسدية فقط بل على صحتها النفسية ايضاً و توازنها. فعلاقة الطفل بأمه اهم بكثير من علاقته بأبيه، اذ يبدأ بتكوين علاقة الود مع امه منذ الاسابيع الاولى، و العلاقات النفسية التي يكونها مع الام خصوصاً في السنوات الاولى من حياته ذات تأثير واضح في تحديد ملامح شخصيته، فالأم العصبية تعلم الطفل العصبية و التهور، اما الهادئة فتعلمه مجابهة الحياة دون انفعال، و الام المتسلطة تكون مصدراً لمعاندة الطفل فيقاومها في كل شيء، اما الام المرنة تخضع الطفل لرغباتها عن طريق الإقناع و يأخذ بإقتراحاتها ، و هذا ما اشار اليه اريكسون في نظريته الى ان الطفل يستمد ثقته بنفسه و بالآخرين من خلال علاقته بأمه. و اعتبرت علاقة الطفل بالأم هي الاساس في بناء صرح العلاقات الاجتماعية لكل طفل و تُصقل من خلالها جوانب شخصيته و سلوكه، و من الجوانب الرئيسية في استقرار سلوك الطفل و اتزان واستقرار الحياة الاسرية. اذاً فهي محور العلاقات بين كل افراد الاسرة لذلك فإن غيابها مع عدم وجود البديل لرعاية اطفالها الصغار يؤثر على التكوين النفسي لهم و خصوصاً اذا كانوا في سن مبكرة تحتاج لوجود الام الدائم لتوفير الرعاية و الشعور بالأمان و بالتالي ينمو نمواً طبيعياً بعيداً عن المؤثرات النفسية التي تصيبه بالألم نتيجة لإحساسه بفقدان حنان الام. 

فالنمو السليم للأطفال من المهم جداً ان يكون قائماً على حنان الابوين الحقيقي المستمر بما يكفل للطفل الشعور الرآسخ بأنه آمن و مرغوب فيه، و اتخاذ منهج تربوي ثابت لا تناقض فيه يشترك في تطبيقه كلا الابوين انطلاقاً من احتياجات الطفل و يصرف النظر عن راحة الأبوين و اهوائهما، وتفهم كافٍ للأطفال و التسامح بالنسبة الى تصرفاتهم بحيث يستطيع الابوان الوقوف على حاجة الطفل الحقيقية و بواعثه الدفينة، ولا ننسى اهمية ممارسة الاساليب الاسرية السوية في تنشئة الابناء لتمتعهم بصحة نفسية سوية و سليمة. 

اعداد: ايمان هاني 

المراجع : 

علم النفس الاسري /د. علاء كفافي 

الضغط النفسي و مشكلاته و أثره على الصحة النفسية /د. ماجده عبيد 

الأسرة و تربية الطفل /هدى الناشف 

مجلة الآداب و العلوم الإنسانية

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -