recent
أخبار ساخنة

الصحة النفسية للطفل المعاقب بدنياً

 الصحة النفسية للطفل المعاقب بدنياً 

 الصحة النفسية للطفل المعاقب بدنياً 




هناك العديد من المربيّن اباء، امهات ام معلمين يؤمنون بسياسة العقاب البدني عن طريق الضرب، بأنه من انجح الطرق في تقويم السلوك السيء، فالخوف من العقاب هو كفيل بمنع الاطفال عن الاتيان بالسلوكيات الغير مرغوب بها، لكن ما نتيجة ذلك من ناحية الصحة النفسية للطفل المعاقب بدنياً؟ 

قبل ذلك من المهم معرفة بعض الامور فيما يتعلق بالعقاب البدني و تالياً توضيح لها. 

لماذا يلجاء المربيّن أباء، امهات و معلمين لسياسة العقاب البدني؟

تتعد الاسباب التي تؤدي الى العقاب البدني للطفل، فالإنحرافات السلوكية و الاخلاقية كالسرقة و الكذب و العدوانية تجعل المربيّن يلجؤون الى العنف و القسوة و الضرب كنوع من العقاب.

فالإخفاق المدرسي و العناد، و العبث ببعض الممتلكات الثمينة المحظور عليه لمسها او الاقتراب منها، و بعض السلوكيات التي يراها المربيّن مصدر خطر على حياة الطفل تستلزم -من وجهة نظرهم - العقاب على امل ان يكف الطفل عمّا يقوم به من تجاوزات، هذا من ناحية، و من ناحية اخرى قد يعاقب المربيّن الاطفال لأنهم لم يكتسبوا التوجهات التربوية السليمة التي تكفل تربية اطفالهم بطرق صحيحة و سليمة، و كذلك افتقادهم الإيمان بتلك المفاهيم التربوية الحديثة و الاستخفاف بها، و من ثم العجز نفسياًو فنياً عن تطبيقها و ممارستها لأن فاقد الشيء لا يعطيه في بعض الاحيان. 

فيلجأ الآباء و الامهات لعقاب الطفل خوفاً من الظهور بمظاهر الضعف و حباً في ممارسة السلطة، و هذا الاسلوب يتضح حين يقترف الطفل تصرفاً خاطئاً خلال وجود الغرباء.

و يكون عقاب الطفل ايضاً نتيجة انفعالات المربيّن الشديدة، فعندما تقول الام : " انا اعاقب طفلي لانه اخرجني عن صوابي!" 

الام في هذه الحالة تكون قد استثيرت فحدث العقاب، و على هذا المقياس يحدث ايضاً في الغرفه الصفيه بين المعلم/ة و الطالب/ة . 

و احياناً قد يعاني بعض الاباء و الامهات بعض من الانحرافات النفسية كالسادية مثلاً، فيجد الواحد منهم لذة لا شعورية عن طريق إيلام الآخرين كالاطفال، حيث يستريحون بعد حدوث العقاب، و ايضاً حين يكون بعض الاباء و الامهات مصابين بما يعرف " بالتناقض الوجداني" حيث العطف الشديد و القسوة الشديدة في نفس الوقت او في وقتين متقاربيين. 

و العقاب المتكرر دليل على اخفاق الوالدين في معاملة الطفل، و كثيراً ما يكون مصدره تعاسة حياتهما، او المتاعب التي يلقاها احدهما او كلاهما في العمل. 

اثر العقاب البدني على صحة الطفل النفسية 

مما لا شك فيه ان القسوة في التربية تؤدي الى العديد من الاضرار النفسية للطفل نذكر منها : 

- فقدان ثقة الطفل بنفسه، فالإفراط في النقد و التوبيخ و البحث عن الأخطاء يكون له اثره البالغ في اضعاف الاعتداد بالنفس و الثقة بها. 

-انكماش الطفل على نفسه و التقوقع بعيداً عن الناس، فهو يخاف من الانطلاق مع اصحابه و مجاراتهم في لعبهم و لهوهم الطفولي البريئ خوفاً من عقاب والديه، بحجة ان اللعب قد يعيقه عن انجاز ما هو مطلوب منه من تحصيل و استذكار، مع ان اللعب مع الآخرين يعمل على تفتيق المخيلة. 

- قد يصاب الاطفال بعدة امراض نفسية مثل الاكتئاب، و هو يصيب الاطفال الذين يتعرضون لعقاب بدني او نفسي شديد، و قد وجد العلماء في هذا المجال ان من اهم اسباب اكتئاب الاطفال هو انقطاع العلاقة الوثيقة من الحب بين الطفل و والديه. 

- الضرب شديد القسوة يستثير الأخيلة العدوانية و الانتقامية لدى الطفل، فالطفل الذي يضرب يتقمص شخصية الضارب، فنلاحظ ان الطفل الذي يلعب مع اصدقائه لعبة "المدرسة" كيف انه يتقمص شخصية الضارب "المعلم" ممسكاً بالعصا و يلقِ بعبارات التهديد و الوعيد. 

-الاتكالية و فقدان روح المبادرة، فالصغار يتحولون الى دمى يحركها الآباء و المربون كما يشاؤون، فتتلاشى ذوات الصغار، فهم لا يشاهدون الا بعيون الكبار، ولا يسمعون الا بآذانهم، ولا ينطقون الا عن طريق السنتهم، و هكذا يتنازلون عن حقهم في الحياة التي تروقهم. 

-تضييق نطاق المخيلة للطفل بحيث لا تحقق اهدافها، لان احد شروطها هو ان يكون صاحبها متمتعاً بأكبر قدر من الحرية و ان يكون في حالة طمأنينة و هدوء، و لكن مادام العقاب قائم فلا حرية على الاطلاق ولا يستطع الطفل ان يوجه ذهنه الى آفاق جديدة. 

-الخوف من العقاب يعطل الذاكرة، فالطفل الذي يتوقع ما يصيبه من الم متواكب مع الضرب لا يتسنى له ان يحفظ ما يطلب منه فالعقل المتوتر لا يفكر. 

- يتراءى للطفل اثناء النوم الاحلام المزعجه و الكوابيس المرعبه، و قد تنشط الاحلام الرمزيةاثناء النوم فيحل الرمز محل الوقاع، فيرى الطفل في احلامه وحوشاً مفترسه تلعب الدور المؤذي و المؤلم الذي يلعبه المعاقب، و لكن يحل بدل الضرب بالعصا او اليد انقضاض الحيوانات المتوحشة على الشخص النائم لتنال منه. 

اذاً هل هناك بديل للعقاب البدني؟ 

مع الاسف يعد العقاب ضرورة في حياة الطفل و لكن، كلما كانت معاملة الآباء و المعلمين اكثر تعقلاً و حكمة قلت حاجتهم للعقاب،فهناك شروط تجعل من العقاب وسيلة ايجابية في التربية و في الحفاظ على علاقة الطفل بوالدية و بصحته النفسية بصفة عامة  نطرح منها :

- ان يكون العقاب بسيطاً و خاصةً اذا وقع للمرة الاولى على الخطأ" اي ان يكون العقاب متدرج و متناسب مع حجم الخطأ" فقد اثبتت بحوثات ان العقاب اذا كان القصد منه الاصلاح و التقويم و ليس الانتقام و إيقاع الأذى يكون له مردوده التربوي الجيد، فإذا صدر من ام او اب حنون و متفهم للطفل عادةً ما يصدر استجابة، ولا يؤثر سلباً على علاقته بوالديه بل يفهمه الطفل على انه رغبة من الوالدين المحبين في تعديل سلوكه. 

- على الطفل ان يعرف لماذا يعاقب قبل ان يتعرض للعقاب، لان عدم معرفة الطفل لماذا يعاقب - وهو ما يفعله الآباء احياناً في حالة الانفعال او في حالة تراكم الاخطاء بلا حساب لفترة من الزمن - يؤدي بالطفل الى ادراك سلوك الوالدين على انه ظلم و اضطهاد من جانبهما، و قد يعتقد انه ضحية قسوة والدية، و كما نلاحظ دائماً قد يكبر معه هذا الشعور الزائف بأنه ضحية لظلم والديه و يخلق كثيراً من المضاعفات النفسية و الاجتماعية .

 - الا يتخذ الآباء من العقاب الذي وقع وسيلة للتشهير به فيما بعد، فقد يعتقد بعض الآباء ان التذكير بالعقاب السابق و التهديد بعقاب لاحق مثله وسيلة بسيطة و سهلة في ضبط سلوك الطفل، ولكنها نوع من الاذلال للطفل خاصة اذا حدثت امام الآخرين ممن لا يعيشون مع الطفل. 

-الهدف الاساسي الذي ينبغي ان يضعه الآباء نصب اعينهم عندما يرغبون في تحقيق مصلحة اطفالهم، هو الا يرغموهم على اتباع اساليب سلوكية معينة عن طريق العقاب، و انما يساعدوهم على ان يقرروا لأنفسهم ما ينبغي و ما لا ينبغي ان يفعلوه و ان يسلكوا وفقاً لذلك و هذا ما يطلق عليه في علم النفس " تنظيم الذات او السلوك بوحي الضمير". 

- العقاب وحده لن يحول انساناً سيئ السلوك الى آخر حسن السلوك، فالتهذيب السليم يقوم اساساً على الحب و الاحترام المتبادل بين الطفل و والديه، فيجب تعزيزه في مرحلة الطفولة عن طريق التعلم و الحزم و تذكير الطفل بواجباته، و ما العقاب الا وسيلة واحدة من وسائل الحزم و التذكر. 

- يقع على عاتق الاباء و الامهات و المعلمين تجنيب الاطفال من الوقوع بالمتاعب، من خلال التوضيح الدائم بنوع السلوك الذي يطلب منهم، و بأن يتدخلوا تدخلاً حازماً منذ البداية عندما يبدئون في الانحراف عن السلوك السوي. 

- ادراك ان كلمة "لا" اذا كان لا بد ان تقال في موقف ما، كلمس الطفل للاشياء الساخنه مثلاً يجب ان تقال بالحزم و القوة نفسها كلما تكرر الموقف، و يراعى ايضاً الا تقال الا حينما يجب ان تقال فعلاً، و بهذا يمكن للطفل ان يتعلم كيف يكيف نفسه عند القيام بأموره، لان هذا التدريب لازم له مدى الحياة فكم من اناس ما يزالون - رغم كبرهم - يحسون بالندم الشديد، لان ابآءهم لم يقولوا لهم و هم صغار كلمة "لا". 

- من الخطأ الفادح ان يدع احد الوالدين العقاب للآخر حتى يكتسب حب الطفل، لان هذا الاسلوب يهدد صحة الطفل النفسية. 

- لا يجب ان يعاقب الطفل على سلوك ما في إحدى المرات ثم نتجاهل السلوك نفسه او نمتدحه في مرة اخرى، لان ذلك سيمنع الطفل من تعلم السلوك و العادات و الأساليب الصحيحة او السوية مما يسبب اضطراب في عملية التنشئة الاجتماعية.

- يجب الا يؤجل العقاب اذا تقرر، فإذا اتى الطفل عملاً يستحق العقاب من وجهة نظر الوالدين و اعلمناه بذلك يجب ان يعاقب مباشرةً، لان تأجيل العقاب مع علم الطفل به سيجعله في حالة ترقب و قلق و انتظار و توتر حتى يتم عقابه. 

- اذا كنا نحذر من العقاب البدني و نضعه في إطار معين و شروط لتنفيذه فليس معنى ذلك اللجوء إلى اسلوب العقاب النفسي، و المتمثل في اللوم و التجريح و التأنيب و إجراء المقارنات التي تكون في غير صالح الطفل، و طبعاً هي أساليب تلجأ إليها الأمهات اكثر من الآباء الذين يلجؤون الى العقاب البدني. 

إن الاستخدام المنظم للعقاب يساعد الاطفال على التمييز بين ما هو مقبول و ما هو غير مقبول، و يقلل من السلوكيات غير التكيفية بسرعة، و لعل هذا هو السبب الرئيسي وراء استخدامه بشكل واسع في الحياة اليومية. 

إعداد: ايمان هاني 

المراجع : 

الأسرة و أساليب تربية الطفل /وفيق مختار 

علم النفس الاسري / علاء كفافي 

تعديل السلوك الإنساني /د. جمال الخطيب

author-img
مدون الجانب النفسي-علم النفس

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent