recent
أخبار ساخنة

الهندسة المعمارية وعلم النفس


الهندسة المعمارية وعلم النفس

 

الهندسة المعمارية وعلم النفس



ترتبط الهندسة المعمارية بعلم النفس ارتباطا وثيقا ، حيث يمكن لتصميم الهياكل أن يتأثر بشكل كبير جدا بعوامل بعوامل غير تقنية خصوصا تلك المتعلقة بالفن و علم النفس و الحالة النفسية للافراد .
كان السياسي البريطاني ونستون تشرشل، أول من عبر عن قناعته بالعلاقة المتبادلة بين صحة الإنسان والسكن ، حيث نقل عنه قوله عام 1943: «حينما نعيد تشكيل محيطنا نعيد بالأحرى تشكيل نفوسنا».
بعد تشرشل بنحو 50 سنة أدخلت منظمة الصحة العالمية، التابعة للأمم المتحدة «متلازمة المبنى - المرض» رسميا في «إنسكلوبيديا الأمراض المعاصرة»، واعترفت به بالتالي كمرض متميز له أعراضه وخصائصه وطرق علاجه أيضا و اصبح بذلك مختصر (Sick - Building - Syndrome – SBS) يطلق على مجموعة الأعراض التي يتسبب بها السكن السيئ للإنسان.
_عوامل السكن المرضية هي: التهوية السيئة، الإضاءة القليلة، الدهاليز الطويلة، الغرف الضيقة، التصميم ط المقبض للنفس، الألوان القاتمة.. إلخ.
_أعراض هذا المرض:الجزع، الصداع ،العينان الدامعتان، ضيق النفس والميلانكوليا، التهاب البشرة ،الحكة.   

  ودليل وجود مثل هذ المرض، حسب تعريف المرض في «إنسكلوبيديا الطب»، هو اختفاء هذه الأعراض عند الانتقال إلى سكن آخر جدير بلقب السكن الإنساني الصحي.
  و خلال القرون القليلة الماضية شهد العالم التدخل النفسي في علم العمران او الهندسة المعمارية من تصاميم و الوان تقوي المناعة النفسية و تعطي شعورا بالراحة و الاسترخاء لقاطنيها .
   في ألمانيا يتخصص نحو 20 مهندسا معماريا حاليا في مجال السكن الصحي، أو بالأحرى في مجال «الهندسة المعمارية النفسية» يشكلون نقابة لهم منذ نحو عقدين، فضلا عن بحثهم المستمر في العلاقة بين هندسة البناء والمرض، فإنهم يعملون بجهد على تطوير موضوعات علمية حول بناء المستشفيات والعيادات من أجل مستقبل بلا SBS .

تعرف الهندسة المعمارية بأنّها فن وتقنيات التصميم والبناء، والهدف منها هو المزج بين المتطلبات العملية والجمالية للبناء، ولا يمكن الفصل بين تلك المتطلبات في عمل المهندس المعماري، رغم أنّه يمكن ترجيح كفة أحد الشقين على الآخر وفقاً لطبيعة المجتمع والمكان وعلاقة البناء بجوانب الحياة اليومية.
 الدور المقدس للعمارة على مر العصور هو تصميم حياة الناس من خلال تصميم المباني التي يعيشون فيها أو يستخدمونها؛ لذلك يعتبر سلاح ذو حدين، حيث يمكن لتصميم منزل على سبيل المثال أن يوفر الاحتياجات النفسية للمستخدمين بجانب الاحتياجات البيولوجية والفيزيائية مما يؤثر إيجابيًا على كل الأفراد فتزداد إنتاجية الفرد سواءً بالعمل للكبار أو تحصيل العلم للصغار والكبار فيزداد بدوره تأثيره الإيجابي وفرص نجاحه كفرد في المجتمع ،وعلى العكس يمكن لتصميم المنزل أن يكون بتأثيره السلبي على الاستقرار النفسي للمستخدمين عامل رئيسي في عدم نجاح الفرد في المجتمع. الأمر لا يقتصر على المباني السكنية فحسب، بل يمتد ليشمل جميع المباني بمختلف استخداماتها؛ فمبنى السجن له دور كبير في التأهيل النفسي السليم للسجين ليصبح فرد صالح في المجتمع من عدمه، ومبنى المستشفى له دور في سرعة شفاء المريض وتقبله للعلاج، ومباني المواصلات لها دور في سهولة إدراك المستخدمين لعناصره من مسارات حركة وعناصر خدمية وغيرها وبالتالي زيادة استيعاب المبنى للركاب بكفاءة، وهكذا بالنسبة لجميع مفردات العمارة من مقبض باب أحد محلات الشوارع الجانبية إلى أكبر أبراج العالم، جميعها تهدف إلى تحقيق الدور المقدس للعمارة.. تصميم حياة الناس.
في الستينيات من القرن الماضي برز مفهوم (العمارة النفسية - Psychological Architecture) وخاصةً في بريطانيا وهو مفهوم يعبر عن التعاون المشترك بين علماء النفس والمهندسين المعماريين أثناء تصميم المباني بمختلف استخداماتها لتحقيق الاحتياجات النفسية للمستخدمين، ومع مرور الوقت قلّ اهتمام المصممين حول العالم حتى أصبح من الغريب الآن وجود علماء نفس يعملون بجانب المعماريين في مرحلة التصميم.
يمكن تفكيك مصطلح العمارة النفسية إلى عنصريه الأساسيين وهما علم النفس والعمارة، حيث أن المنطقة المشتركة بين علم النفس كعلم نظري والعمارة كعلم تطبيقي أن كلاهما علوم إنسانية تتعامل مع السلوك الإنساني بشكل مباشر، وترتبط العمارة النفسية بعدة مصطلحات أهمها (الاستاطيقا (علم فلسفة الجمال) – Aesthetics) و (الإدراك – Perception)، حيث أن إدراك المستخدمين للعناصر المعمارية هو ما يؤثر سلبًا أو إيجابًا على الحالة النفسية لهم بل ويتحكم في نمط تفكيرهم لفترات قد تطول لتؤثر على أسلوب حياتهم بشكل كبير.
في محاولة لتطبيق أسس البحث العلمي والحصول على نتائج محسوسة (Empirical) قام العلماء بإجراء بعض التجارب في هذا السياق نذكر منها:
- قام الباحث والمحرر بمجتمع علماء النفس البريطانيين (كريستيان جاريت - Christian Jarrett) بإجراء تجربة للمقارنة بين الأثاث ذي الخطوط المنحنية والأثاث ذي الخطوط المستقيمة من حيث استحسان المستخدمين لكلاهما، التجربة بسيطة في حد ذاتها، حيث تم عرض مجموعة من الغرف التي تحتوي على العديد من الكراسي والأرائك بتصميمات مختلفة على الأشخاص من عينة البحث؛ كانت النتائج مخيبة لرواد الحداثة حيث لاقت قطع الأثاث ذات الخطوط المنحنية استحسانًا أكبر من نظيراتها ذات الخطوط المستقيمة .
و عليه فإن العمارة لها تأثير مباشر على طريقة تفكيرنا مما يُحمّل المعماريين عبئًا ثقيلًا ومسؤولية كبيرة تجاه دورهم المقدس في تصميم حياة الناس عكفت المهندسة الباحثة روتراوت فالدن، من جامعة
كوبلنز  15 سنة على دراسة مختلف المستشفيات والعيادات المنتشرة في ألمانيا، وتوصلت إلى نتائج  مدهشة حول علاقة المرض بالمستشفيات، وحول انعكاس السكن السيئ على حياة الإنسان وسلوكه.  ذكرت فالدن أن دراستها تثبت أن 60 في المائة من مستشفيات ألمانيا مصممة هندسيا بشكل يعزز فيه الشكوك حول علاقتها ط بمتلازمة SBS ، بما في ذلك مستشفيات حديثة بنيت خلال السنوات العشر الماضية، فما زال التصميم المفضل للمستشفيات عبارة عن دهاليز طويلة تنتشر غرف المرضى، وغرف العلاج، على جانبيها، أرضيات رمادية تنبعث منها روائح المواد المعقمة، سقوف جرداء وبيضاء، طوابق عالية ومصادر إضاءة اصطناعية.
    اعتمدت فالدن في تقييمها للمستشفيات على طريقة لتصنيفها في أربعة مجالات وهي:
  1.  1 - المعايير الجمالية في البناء.
  2.  2 - التصاميم الهندسية.
  3.  3 - العوامل الاجتماعية.
  4.  4 - العوامل البيئية.
   منحت المستشفيات درجات حسب موقعها الجغرافي، تصميم المبنى، مدخل المستشفى، الممرات، الردهات، ثم أخيرا غرف المرضى.
    صدرت نتائج مهمة للدراسة الطويلة التي أجرتها فالدن فالتغيرات في التصاميم والديكور والإضاءة التي أدخلتها على بعض غرف المرضى أدت فعلا إلى
تحسين مزاج بعضهم، وتقلص عدد الأيام التي يقضيها المرضى في المستشفى بالنظر إلى أن الإجراءات النفسية الهندسية قد عجلت في شفائهم، وأدى تحسن الوضع النفسي لنزلاء المستشفيات إلى تقليص استخدام العقاقير لمضادة للألم والأدوية المضادة للاكتئاب، وهذا في حد ذاته، مردود نفسي كبير للمريض ومردود مالي كبير لإدارات المستشفيات.
    في الاخير نستنتج أن العلاقة بين علم الهندسة المعمارية وعلم النفس علاقة تكاملية بناءة و ذات آثار ايجابية و كذا سلبية في آن حال استخدم البناء لأغراض تعذيبية لمساجين الحرب و غيرها.

المقال من اعداد :
_المختصة النفسانية : جويرية بريطل .
_المهندس المعماري : توفيق سحنون .
author-img
مدون الجانب النفسي-علم النفس

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent